الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
248
تفسير روح البيان
عبارة عن حقيقة العفو والتبديل من مقام المغفرة وان تنبهت لما أشرت اليه عرفت الفرق بين العفو والمغفرة انتهى كلامه وفي التأويلات النجمية ( إِلَّا مَنْ تابَ ) عن عبادة الدنيا وهوى النفس ( وَآمَنَ ) بكرامات وكمالات أعدها اللّه لعباده الصالحين مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً ) لتبليغه إلى تلك الكمالات وهو الاعراض عما سوى اللّه بجملته والإقبال على اللّه بكليته رجاء عواطف إحسانه كما قيل لبعضهم كلى بكلك مشغول فقال كلى لكلك مبذول ولعمري هذا هو الإكسير الأعظم الذي ان طرح ذرة منه على قدر الأرض من نحاس السيئات تبدلها إبريز الحسنات الخالصة كما قال تعالى اخبارا عن أهل هذا الإكسير ( فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) كما يبدل الإكسير النحاس ذهبا انتهى يقول الفقير لا شك عند أهل اللّه تعالى في انقلاب الأعيان واستحالتها ألا ترى إلى انحلال مزاج المادة الأصلية إلى غيرها في العالم الصناعي فإذا انحل المزاج واستحالت المادة إلى الصورة الهيولانية صلحت لان يولد الحكيم منها انسان الفلاسفة قال الامام الجلدكى الأرض تستحيل ماء والماء يستحيل هواء والهواء يستحيل نارا وبالعكس النار تستحيل هواء والهواء ماء والماء يستحيل أرضا والعناصر يستحيل بعضها إلى بعض مع أن كل عنصر من العناصر ممتزج من طبيعتين فاعلة ومنفعلة فهذا برهان واضح على انحلال المزاج إلى غيره في الأصول واما في الفصول فان الأرض تستحيل نباتا والنبات يستحيل حيوانا فوقف الفاضل ابن سينا وقال إن الحيوان لا يستحيل اللهم الا ان يفسد إلى عناصره ويرجع إلى طبائعه فنقول ان الأرض والماء إذا لم يفسدا في الصورة عن كيانهما لما استحالا نباتا والنبات إذا لم يفسد عن كياله لما استحال حيوانا فكيف خفى عليه ان النبات والحيوان يفسدان بالطبخ ويصيران للانسان غذاء وينحل مزاجهما إلى الكيموس الغذائي ويصيران في جوف الإنسان دما ويستحيل الدم بالحركة الشوقية بين الذكر والأنثى فيصير منيا ثم جنينا ثم إنسانا وكذلك جسد الإنسان بعد فساده يمكن ان يصير نباتا ويستحيل إلى حيوانات شتى مثل الديدان وغيرها ويستحيل الجميع حتى العظام الرفات إلى أن تقبل التكوين إذا شربت ماء الحياة وانما الاجزاء الجسدانية للانسان محفوظة معلومة عند اللّه وان استحالت من صفة إلى صفة وتبدلت من حالة إلى حالة وانحل مزاج كل منها إلى غيره الا ان روحه وعقله ونفسه وذاته الباطنة باقية في برزخها : قال الحافظ دست از مس وجود چو مردان ره بشوى * تا كيمياى عشق بيابى وزر شوى وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً ولذلك بدل السيئات حسنات رَحِيماً ولذلك أثاب على الحسنات وَمَنْ تابَ اى رجع عن المعاصي مطلقا بتركها بالكلية والندم عليها وَعَمِلَ صالِحاً يتدارك به ما فرط منه أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعات فَإِنَّهُ بما فعل يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ يرجع اليه تعالى بعد الموت قال الراغب ذكر إلى يقتضى الإنابة مَتاباً اى متابا عظيم الشان مرضيا عنده ماحيا للعقاب محصلا للثواب فلا يتحد الشرط والجزاء لان في الجزاء معنى زائدا على ما في الشرط فان الشرط هو التوبة بمعنى الرجوع عن المعاصي والجزاء هو الرجوع إلى اللّه